هشام جعيط
35
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
سيف في روايته المستندة في هذا المقام إلى مجالد بن سعيد والشعبي ، في آن واحد على متانة القيادة الإسلامية والطابع العربي القومي للمواجهة النفسانية ، وعلى الدور الفعلي المتفوق الذي لعبه القادة التقليديون المرتدون الذين صاروا يجسمون القيم الحربية العربية . وقد قلنا إن روايته للاستعدادات لمعركة القادسية لم تتجاهلهم ، بل يبدو أنها وضعتهم في المقدمة . لقد انتزعت من رؤساء القبائل القيادات الكبيرة كافة ، لكنهم لعبوا دورا حاسما في التعبئة النفسانية ، وأجروا المحادثات مع العدو وتولوا فعلا قيادة أفراد قبيلتهم في الهيجاء « 1 » . فهل كان ذلك تشويها متحيزا عن وعي أو بدون وعي كما أكد كايتاني ، أم كان تحويلا طرأ على واقع الأمور ، أي تجسيما لعودة القوى الحقيقية ومحاولتها زعزعة الهيكل المؤسساتي ؟ لا شك في تضافر الأمرين . إن روايات سيف دقيقة وملحمية في آن ، وهي مطبوعة بالشمولية والانتقائية على السواء ، فالدقة تحملها على عدم تجاهل إرادة عمر الجازمة على إقرار تأطير إسلامي على أوسع درجة وانتقائيتها تحملها على تناسي الرجال الذين كانوا دعامة لتلك القيادة . كما أن رواية سيف اتصفت بالملحمية لأن هذا المؤلف أعطى المرتبة الأولى لأعمال الذين أسسوا استمرارية تاريخية في العراق ولا سيما في الكوفة . لكن الصحيح من جهة أخرى أن جيش العراق باستثناء فترة خالد وأبي عبيد كان مركبا في الواقع وعلى الدوام من عناصر بدوية من خارج الحواضر الإسلامية ، وهي لعمري ظاهرة اتسعت مع سعد ، فلا عجب بعد ذلك أن يتناسى ويتجاوز قادة القبائل سلطة المدينة ؛ ومن يدري ، لعل عمرا اجتهد بغية محاربة الفرس ، من أجل النهوض بالقوى العربية الصرف ، شريطة أن تخضخ هذه القوى للمثل الإسلامية المطروحة كهدف أسمى ؟ وقد روى سيف أن عمرا أراد مواجهة الفرس بأفضل العرب ، بمعنى أبطالهم وخطبائهم وشعرائهم . ولعله سمح لبعض قيم الجاهلية بالعودة إلى النشاط ولا سيما القيم التي لم تكن تعارض الإسلام إلا قليلا . كان ذلك نتيجة منطقية للانفتاح على الردة والاختيار الأساسي المتمثل في تفضيل الفتح الواسع على الفتح المحدود ، وتوسيع الإسلام بدل تعميقه . وقد لاحظ سيف وجود رجال من أهل الشجاعة - على رأسهم عمرو بن معديكرب وطليحة ، وقيس بن هبيرة - ورجال من أهل الرأي - كالمغيرة بن شعبة وحذيفة ، وعاصم - وشعراء - كالشماخ ، والحطيئة ، وأوس بن المغراء ، وعبدة بن الطبيب « 2 » .
--> ( 1 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 514 ، 532 ، 533 ، 537 ، حيث تنسب الروايات لعمرو بن معديكرب دورا بطوليا كان قام به في يوم أرماث ، وفي ص 557 ، حيث نرى عودة عمرو وطليحة إلى الظهور يوم عماس ومبادرتهما بأعمال ظرفية في القتال . ( 2 ) الطبري ، ج 3 ، ص 533 . روى أن المغيرة جاء من الأبله : الدينوري ، ص 118 ؛ والبلاذري ، ص 256 . ولعلّ وضع أبي محجن الشاعر يستند إلى عملية عصيان في وجه سعد ، وقد أفاضت المصادر في رواية موقف هذا -